بسم الله الرحمن الرحيم


وقفة خاطفة..!

كتبهاخالدة بنت أحمد باجنيد ، في 19 يونيو 2008 الساعة: 17:01 م

(القدسُ) في شعر الحروبِ الصلبيّة.. صورة وعاطفة

(القدس) لفظةٌ تنبعثُ بدفء وحنين، تمضي بنا إلى خفقات خارطةٍ قلبيّة، استوطنتها المشاعرُ الحرّى بهويّة القضيّة، القضيّة الكبرى التي تحتضننا جميعاً.. ونحتضنها جميعاً..

(القدس) لفظةٌ ترسمُ طيوفَ الأقصى السليب، لنغرّد بإيقاعها ألحانَ الاشتياقِ الباذخ إلى بقعةٍ لم نرها إلا مجازاً.. في أغوارِ الحنايا تراءت بحبّنا.. ومن لقطاتِ (الكاميرا) انتفضت بدمعنا.. ورغم المسافةِ، تبقى بالقربِ دوماً.. !

(القدس) لفظةٌ ريّانةُ الإيحاء، لم تزل عبر مسيرةٍ أدبيّة طويلة.. طويلة، تسقي الشعر رقراقَ الندى، لتتراءى بمرآته: القدس الحبّ، القدس القضيّة، القدس التاريخ، القدس الدّم، وتتابع المطر..!!

ومن هنا.. من عمقُ فؤادٍ علمته (القدس) معنى الانتفاضة!، وكما قال كثيّر:

وإنّي لتـعروني لذكراكِ هـزّة                كما انتفض العصفورُ بلله القطرُ

رأيتُ أن أقفَ على تجلّي (قدسنا) في الشعر العربيّ إبانَ الحروبِ الصليبية، وكيفَ نظمتها الفِكَرُ عاطفةً وصورة، (قدسنا) التي ما برحت تناوشُ صليباً وتلموداً، ويأبى الله إلا العاقبةَ لأهلِ التوحيدِ والرسالةِ الخاتمة، كما قال عليه الصلاةُ والسلامُ: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهود من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود)[1].

وفي الحقبةِ التاريخيّة التي تزامنت مع الحملاتِ الصليبيّة في القرنِ الخامس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، تفجرّ الشعرُ كفاحاً وبكاء، فمما يدعو إلى الجهادِ والحماسةِ واستنهاضِ الهمم، ومما يبكي على البلادِ الضائعة الدامية، وما بين هاتين الصورتين كان الشعرُ عيناً نابضةً تترجمُ لنا الواقع الكبير، والإحساس العام إزاء الاغتصابِ الصليبي الذي كان محورَ قلبٍ للأمتين الشرقية والغربية.

ومن ذلك هاته البكائية لقاضي الطورِ مجدُ الدين الحنفي:

مررتُ على القدسِ الشريفِ مسلِّماً           على ما تبقّى من ربوعٍ كأنجـمِ

ففاضتْ دموعُ العينِ منّي صـبابةً            على ما مضى من عصرنا المتقدِّمِ

وقد رام عـلجٌ أن يعفّي  رسومَهُ             وشمّر عـن كفّي لئيـمٍ مذمّـمِ

فقـلتُ له شُلِّـتْ يميـنكَ خلِّها            لمعتـبـرٍ أو سـائلٍ أو مـسلِّمِ

فلو كان تفـدى بالنفوسِ فديتها             بنفسي وهذا الظنُّ في كلِّ مسلمِ

وفيها بكائيّة شهابُ الدينِ بن مجاور:

أعينـيّ لا تـرقي مـن العـبراتِ          صلي في البكا الآصالَ بالبكراتِ

لعلّ سيولَ الدمـعِ يطـفئ فيضُـها         توقّدَ ما في القلبِ من جمـراتِ

على المسجدِ الأقصى الذي جلّ ذكره        على موطنِ الإخباتِ والصلواتِ

على القبلةِ الأولى الـتي اتجهـت لها         صلاةُ البرايا في اختلافِ جهاتِ

لتبكِ على القـدسِ البلادُ بأسـرها          وتعـلنُ بالأحزانِ والتـرحاتِ

ومذْ أسفرت طلائعُ النصرِ على يدِ عمادِ الدين زنكي وابنه نور الدين، تعلقت الآمال بهما، فثارتِ الأشعارُ حماسةً لتحريرِ بيتِ المقدس، ومنها مدحة ابن القيسراني في نور الدين:

كأنّي بهذا العـزمِ لا فلّ حّدهُ         وأقصاهُ بالأقصى وقد قُضيَ الأمرُ

وقد أصبحَ البيتُ المقدّسُ طاهراً       وليسَ سوى جاري الدماءِ له طهرُ

ومنها ما مدح به العمادُ الأصفهانيّ صلاح الدينِ الأيوبيّ، وثار بأبياتها حماسةً لتحريرها:

نهوضاً إلى القدسِ يشفي الغليـ       ـلَ بفتحِ الفتوحِ وما ذا عسيرُ

سلِ الله تسـهيلَ صعبِ الخطو        ب فهو علـى كلِّ شيءٍ قديرُ

وفي مثلها قال أيضاً:

فسرْ وافتحِ القدسَ واسفكْ بهِ         دماءً مـتى تجـرها ينظفِ

وبلغت القدسُ أن كانت معقلَ الفخر، فما من فخرٍ يداني نزال الفرنجة فيها ولأجلها، فإنّ الظفر بها هو النصرُ الحقيقي المرتجى، فكانت لهذا مناط مدائح القادةِ والملوك:

سائل بـه يومَ الظلـيلِ فإنّـه       يـومٌ تجلّـى عنـه مـن أيّامهِ

إذ جاءه جيـشُ الفرنجِ منظّماً       فسما إليه فـحلّ عـقدَ نظامهِ

وله بأرضِ القدسِ فيهم وقعةٌ          سلبت مليـكهمُ لذيذَ مـنامهِ

ومن ذلك مدحة أبي عليّ الجويني في السلطان صلاحِ الدين بانتصاره في معركةِ حطّين:

لو أنّ ذا الفتحَ في عصرِ النبيّ لقدْ     تـنزّلت فـيهِ آيـاتٌ وقرآنُ

وفي ذلك أيضاً ما أنشده العمادُ الأصفهانيّ تهنئةً له بالنصر:

يا يومَ حطّينَ والأبطالُ عابسـةٌ       وبالعجاجةِ وجهُ الشمسِ قد عبسا

رأيتُ فيه عظـيمُ الكفرِ محتقراً        مـعفّراً خدّه والأنـفُ قد تعسـا

وله في رثائه:

من كان أهلُ الحـقِّ في أيامهِ          وبعزّه يـردونَ أهلَ الباطلِ

وفتوحهُ والقدسُ من أبكـارها       أبقت له فضلاً بغير مساجلِ

فسقاك رضـوانَ الإلهِ لأنـني        لا أترضي سقيا الغمامِ الهاطلِ

تلك هي (القدس) العاطفة، التي تمثلت فيما مضى حبّاً ورثاءً وفخراً وأملاً، وثمةَ تجلٍّ للقدسِ على مرآةِ الصورة الشعرية، ومنه مرثيةَ العماد في القائد نور الدين زنكي:

الديـنُ في ظلمٍ لغيـبةِ نورهِ          والدهرُ في غممٍ لفقدِ أميرهِ

أوما وعدتَ القدسَ أنّك منجزٌ        مـيعادَه في فتحه وظهورهِ

فمتى تجيرُ القدسَ من دنسِ العدا       وتقدِّس الرحمـن في تطهيرهِ

فهنا تشخيصٌ للقدسِ بقطعِ الوعود بالفتح والظهور، وقد أسهمَ في تأجيجِ العاطفةِ إذ يصورها الشاعر كإنسانٍ متأملٍ مترقب لإنجاز الوعد، فإذا بالموتِ يخطفُ الواعدَ لتبقى القدس كسيرةً تزرحُ تحت وطأةِ البغاة.

وفي نحوه قصيدةٌ أنشدها شاعرها على لسانِ القدسِ رسالةً حرّى إلى القائد صلاحِ الدينِ لعلهُ يبلي النداءَ، ويجيبُ الرجاء:

يا أيـها الملـكُ الذي        لمعـالمِ الصلبانِ نكّـس

جاءتْ إليكَ ظـلامةً         تسعى من البيتِ المقدّسْ

كلّ المـساجدِ طهّرتْ        وأنا عـلى شرفي مدنّسْ

ويمضي المظفّر تقيّ الدينِ بن أيوبَ في صورةٍ متقدّةٍ باللهفة، لينقلبَ المشهدُ من فرطِ اشتعالها، فهي في أبياته عروس تسعى إلى خاطبها الكفء، بعدَ أن ردّت عن منالها ملوكاً وقواداً ليسوا أهلاً لها:

جاءتك أرضُ القدسِ تخطبُ ناكحاً           يا كفأها ما العذرُ عـن عذرائها

زُفّت إليك عـروسُ خدرٍ تجتـلى           ما بينَ أعبـدها وبيـن إمـائها

إيهٍ صلاحُ الديـنِ خذها غـادةً             بكراً ملـوكُ الأرضِ من رقبائها

كم خـاطبٍ لجمـالها قـد ردّه             عن نيلها أن لن ليس من أكفائها

ويشفّ القاضي الفاضل القدس في صورةٍ يستلهمُ فيها قصةَ الطوفانِ في عهدِ نوحٍ عليه السلام، ومثلما كان الجودي يومئذٍ مرسى النجاةِ تجلّت القدسُ في أبياته تشبيهاً:

كأنّا ببحرِ الكفرِ قد غـيضَ ماؤه          إذا ما استوتْ سفنٌ لها القدسُ كالجودي

وهاهي القدسُ بأبياتِ العمادِ يكسوها صلاحُ الدينِ لباسَ الإسلامِ بالـنصر المبين:

نزعتَ لباسَ الكفرِ عن قدسِ أرضها           وألبستها الدينَ الذي كشف اللَّبسا

ومما جاء به التاريخُ أنّ السلطان صلاح الدينِ بعد الفتحِ المؤزر لم يعر بقية حصون الفرنجة اهتماماً، وانصرف إلى مملكته، فكان لهذا التغافل ثمنٌ كبير جنت آثاره الدولة الإسلاميّة فيما بعد، وكان لهذا صدًى شعريّاً في زمانه، كما قال ابن جُبير:

بني الإسلامِ جُدوا في الجهادِ           بسُمرِ الخطِّ والبيضِ الحدادِ

وبيعـوها فربّكـمُ اشتراها           نـفوساً تربحوها في المعـادِ

عدوّكمُ بعقركـمُ مقـــــــيمٌ              ليستولي على ملكِ البـلادِ

وبيتُ القدسِ يفرقُ كلَّ يومٍ           حذاراً أن يعود إلى الأعادي

فالقدس عند ابن جبيرٍ تفرقُ حذراً وخوفاً من عودِ الأعادي، فهّلا بطمأنةٍ تملأُ جنباتها؟!!، وفي نحوه جرى ابن الساعاتي بأبياتٍ متوجّسة لمّا وقعت الهدنة بين السلطانِ صلاحِ الدين وملك الإنجليز ريتشارد:

وبكتْ جفونُ القدسِ ثانيةً دماً        لتـرنّمِ الـناقوسِ في أرجائهِ

فاستعارة الجفونِ الباكيةِ دماً ما هي إلا توجسٌ مما قد يكون، إذ أنّ التاريخ شاهدٌ بنعمةِ السلامِ التي رفلتِ القدسُ فيها في عهد صلاحِ الدين، ولعل الشاعرَ بأسلوبهِ الموحي بالثبوتِ والوقوع في قوله: (وبكت جفون القدسِ) خامره الخوف وقارب به اليقينُ، وكفى بالتاريخِ شاهداً على خيانةِ الإفرنج ونكثِهم العهود.

وما سلفَ غيضٌ من فيض، وما هو إلا خيطُ ضوءٍ تسرّبَ شغفاً بالوقوفِ على هاتهِ التجليّاتِ رواءَ خفقاتٍ يساورها الحنينُ ما برحت بـ(قدسنا) الذكرى..

 

كتبته: خالدة بنت أحمد باجنيد

    لغة عربيّة/ م6

———————————-

** اعتمدتُ في جمعِ الأبياتِ الشعريّة على كتاب: بيتُ المقدسِ في شعرِ الحروب الصليبيّة/ د. عبد الجليل حسن عبد المهدي/ دار البشير/ عمّان 1988م.

 

 

 

 

 

 




[1] صحيح مسلم/ رقم الحديث (2922)/ دار إحياء التراثِ العربي/ بيروت.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سكبُ قلمي: مقالات، خواطر، قصص | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “وقفة خاطفة..!”

  1. خالدة بنت أحمد باجنيد قال:

    تعرض شخص تافه لسرقة مدونتي..

    ولم تمكني إدارة مكتوب من الحصول على كلمة سر جديدة واستعادة المدونة، فأنا الآن لا أملك حقّ التصرف فيها..

    .

    .

    .

    خالدة..



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر