(القدسُ) في شعر الحروبِ الصلبيّة.. صورة وعاطفة
(القدس) لفظةٌ تنبعثُ بدفء وحنين، تمضي بنا إلى خفقات خارطةٍ قلبيّة، استوطنتها المشاعرُ الحرّى بهويّة القضيّة، القضيّة الكبرى التي تحتضننا جميعاً.. ونحتضنها جميعاً..
(القدس) لفظةٌ ترسمُ طيوفَ الأقصى السليب، لنغرّد بإيقاعها ألحانَ الاشتياقِ الباذخ إلى بقعةٍ لم نرها إلا مجازاً.. في أغوارِ الحنايا تراءت بحبّنا.. ومن لقطاتِ (الكاميرا) انتفضت بدمعنا.. ورغم المسافةِ، تبقى بالقربِ دوماً.. !
(القدس) لفظةٌ ريّانةُ الإيحاء، لم تزل عبر مسيرةٍ أدبيّة طويلة.. طويلة، تسقي الشعر رقراقَ الندى، لتتراءى بمرآته: القدس الحبّ، القدس القضيّة، القدس التاريخ، القدس الدّم، وتتابع المطر..!!
ومن هنا.. من عمقُ فؤادٍ علمته (القدس) معنى الانتفاضة!، وكما قال كثيّر:
وإنّي لتـعروني لذكراكِ هـزّة كما انتفض العصفورُ بلله القطرُ
رأيتُ أن أقفَ على تجلّي (قدسنا) في الشعر العربيّ إبانَ الحروبِ الصليبية، وكيفَ نظمتها الفِكَرُ عاطفةً وصورة، (قدسنا) التي ما برحت تناوشُ صليباً وتلموداً، ويأبى الله إلا العاقبةَ لأهلِ التوحيدِ والرسالةِ الخاتمة، كما قال عليه الصلاةُ والسلامُ: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهود من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود)[1].
وفي الحقبةِ التاريخيّة التي تزامنت مع الحملاتِ الصليبيّة في القرنِ الخامس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، تفجرّ الشعرُ كفاحاً وبكاء، فمما يدعو إلى الجهادِ والحماسةِ واستنهاضِ الهمم، ومما يبكي على البلادِ الضائعة الدامية، وما بين هاتين الصورتين كان الشعرُ عيناً نابضةً تترجمُ لنا الواقع الكبير، والإحساس العام إزاء الاغتصابِ الصليبي الذي كان محورَ قلبٍ للأمتين الشرقية والغربية.
ومن ذلك هاته البكائية لقاضي الطورِ مجدُ الدين الحنفي:
مررتُ على القدسِ الشريفِ مسلِّماً على ما تبقّى من ربوعٍ كأنجـمِ
ففاضتْ دموعُ العينِ منّي صـبابةً على ما مضى من عصرنا المتقدِّمِ
وقد رام عـلجٌ أن يعفّي رسومَهُ وشمّر عـن كفّي لئيـمٍ مذمّـمِ
فقـلتُ له شُلِّـتْ يميـنكَ خلِّها لمعتـبـرٍ أو سـائلٍ أو مـسلِّمِ
فلو كان تفـدى بالنفوسِ فديتها بنفسي وهذا الظنُّ في كلِّ مسلمِ
وفيها بكائيّة شهابُ الدينِ بن مجاور:
أعينـيّ لا تـرقي مـن العـبراتِ صلي في البكا الآصالَ بالبكراتِ
لعلّ سيولَ الدمـعِ يطـفئ فيضُـها توقّدَ ما في القلبِ من جمـراتِ
على المسجدِ الأقصى الذي جلّ ذكره على موطنِ الإخباتِ والصلواتِ
على القبلةِ الأولى الـتي اتجهـت لها صلاةُ البرايا في اختلافِ جهاتِ
لتبكِ على القـدسِ البلادُ بأسـرها وتعـلنُ بالأحزانِ والتـرحاتِ
ومذْ أسفرت طلائعُ النصرِ على يدِ عمادِ الدين زنكي وابنه نور الدين، تعلقت الآمال بهما، فثارتِ الأشعارُ حماسةً لتحريرِ بيتِ المقدس، ومنها مدحة ابن القيسراني في نور الدين:
كأنّي بهذا العـزمِ لا فلّ حّدهُ وأقصاهُ بالأقصى وقد قُضيَ الأمرُ
وقد أصبحَ البيتُ المقدّسُ طاهراً وليسَ سوى جاري الدماءِ له طهرُ
ومنها ما مدح به العمادُ الأصفهانيّ صلاح الدينِ الأيوبيّ، وثار بأبياتها حماسةً لتحريرها:
نهوضاً إلى القدسِ يشفي الغليـ ـلَ بفتحِ الفتوحِ وما ذا عسيرُ
سلِ الله تسـهيلَ صعبِ الخطو ب فهو علـى كلِّ شيءٍ قديرُ
وفي مثلها قال أيضاً:
فسرْ وافتحِ القدسَ واسفكْ بهِ دماءً مـتى تجـرها ينظفِ
وبلغت القدسُ أن كانت معقلَ الفخر، فما من فخرٍ يداني نزال الفرنجة فيها ولأجلها، فإنّ الظفر بها هو النصرُ الحقيقي المرتجى، فكانت لهذا مناط مدائح القادةِ والملوك:
سائل بـه يومَ الظلـيلِ فإنّـه يـومٌ تجلّـى عنـه مـن أيّامهِ
إذ جاءه جيـشُ الفرنجِ منظّماً فسما إليه فـحلّ عـقدَ نظامهِ
وله بأرضِ القدسِ فيهم وقعةٌ سلبت مليـكهمُ لذيذَ مـنامهِ
ومن ذلك مدحة أبي عليّ الجويني في السلطان صلاحِ الدين بانتصاره في معركةِ حطّين:
لو أنّ ذا الفتحَ في عصرِ النبيّ لقدْ تـنزّلت فـيهِ آيـاتٌ وقرآنُ
وفي ذلك أيضاً ما أنشده العمادُ الأصفهانيّ تهنئةً له بالنصر:
يا يومَ حطّينَ والأبطالُ عابسـةٌ وبالعجاجةِ وجهُ الشمسِ قد عبسا
رأيتُ فيه عظـيمُ الكفرِ محتقراً مـعفّراً خدّه والأنـفُ قد تعسـا
وله في رثائه:
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ